أحمد بن محمد المقري التلمساني

123

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحوت بغي يبتلع ويلتقم ، ومطبق يحجب الهواء ، ويطيل في التراب « 1 » الثّواء ، وثعبان قيد يعضّ الساق ، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرّقاق ، وغيلة يهديها الواقب الغاسق « 2 » ، ويجرعها العدوّ الفاسق ، فصرف السوق ، وسلعته المعتادة الطروق ، مع الأفول والشروق ، فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرّة ، أو ما يساوي جرعة حال مرّة ؟ وا حسرتا للأحلام ضلّت ، وللأقدام زلّت ، ويا لها مصيبة جلّت . ولسيدي أن يقول : حكمت باستثقال الموعظة واستجفائها ، ومراودة الدنيا بين خلّانها وأكفائها ، وتناسي عدم وفائها ، فأقول : الطبيب بالعلل أدرى ، والشفيق بسوء الظنّ مغرى ، وكيف لا وأنا أقف على السحاءات بخطّ يد سيدي من مطارح الاعتقال ، ومثاقف النّوب الثقال ، وخطوات الاستعداد ، للقاء الخطوب الشداد ، ونوش الأسنّة الحداد ، وحيث يجمل بمثله أن لا يصرف في غير الخضوع للّه تعالى بنانا ، ولا يثني لمخلوق عنانا ، وأتعرّف أنها قد ملأت الجوّ والدوّ « 3 » ، وقصدت الجماد والبوّ ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات ، وحفظة المذمّات ، وأعوان النّوب الملمّات ، زيادة في الشقاء ، وقصدا بريّا من الاختيار والانتقاء ، مشتملة من التجاوز على أغرب من العنقاء ، ومن النفاق على أشهر من البلقاء ، فهذا يوصف بالإمامة ، وهذا يجعل من أهل الكرامة ، وهذا يكلف الدعاء وليس من أهله ، وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله ، إلى ما أحفظني واللّه من البحث عن السموم ، وكتب النجوم ، والمذموم من العلوم ، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا ، وأعتقد أنّ اللّه قد جعل لزمان الخير والشرّ ميقاتا ، وأنّا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياة ، وأنّ اللوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا ، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع ممّا قدر إفلاتا ؟ أفيدونا ما يرجح العقيدة المتقرّرة فنتحوّل إليه ، وبينوا لنا الحقّ نعوّل عليه . اللّه اللّه يا سيدي في النفس المرشحة ، والذات المحلاة بالفضائل الموشّحة ، والسلف الشهير الخير ، والعمر المشرف على الرحلة بعد حثّ السير ؛ ودع الدنيا لبنيها فما أوكس حظوظهم ! وأخسّ لحوظهم ! وأقلّ متاعهم ! وأعجل إسراعهم ! وأكثر عناءهم ! وأقصر آناءهم ! [ مجزوء الكامل ] ما ثمّ إلّا ما رأي * ت وربّما ، تعيي السلامة والناس إمّا جائر * أو حائر يشكو ظلامه « 4 »

--> ( 1 ) في ب « ويطيل في الترب الثواء » . ( 2 ) الواقب : الغائب . ووقبت الشمس : غابت والغاسق : الشديد الظلمة . وفي القرآن الكريم : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ . ( 3 ) الدوّ : الصحراء . ( 4 ) جائر : ظالم .